اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
135
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الذي لا يتطرق إليه الشك هو أن مصنفاته كانت مصدرا هاما للغاية في معرفة العرب بالدولة البيزنطية بل وتقدم لنا لأول مرة معلومات مباشرة ومفصلة عن الصقالبة وجيرانهم . ويمكن أن نقرر وفقا لرأى بارتولد أن مادته قد تناقلها جميع الجغرافيين المتأخرين حتى القرن الثالث عشر في جميع العالم الإسلامي 102 دون أن يشيروا إلى مصدرها . ويظهر أن تسمية البحر الأسود ببحر الخزر ترجع إليه ؛ وهو قد عرف الصقالبة كجيران لمقدونيا من ناحية الغرب وميز عنهم البرجان أو بلغار الطونة كجيران لتراقيا من ناحية الغرب ولمقدونيا من ناحية الشمال . وبعد نصف قرن تقريبا من مسلم الجرمي وذلك في حوالي عام 288 ه - 900 وجد في أسر البيزنطيين هارون بن يحيى الذي حفظ لنا حقائق هامة خاصة وصفه القيم للقسطنطينية في ذلك العهد . ويبدو أن محيط معلوماته كان أضيق بعض الشئ من محيط مسلم الجرمي ؛ ولكن مما يزيد في أهمية روايته أنه قد حفظ لنا قطعة كبيرة منها الجغرافي ابن رستة 103 ، كما توجد مقتطفات منها لدى القزويني 104 . وكان هارون بن يحيى قد وقع في أسر قراصنة من أهل أطاليه Attaleia بآسيا الصغرى وذلك قرب عسقلان بفلسطين فساقوه بحرا وبرا إلى القسطنطينية وامتدت إقامته بعض الوقت زار خلاله رومه عن طريق سلانيك كما زار أيضا أرض الصقالبة والبندقية ؛ وفي رومة حصل على معلوماته عن برغنديا والفرنجة وبريطانيا . وينصب الجزء الأساسي من روايته على وصف القسطنطينية ، - - وقد لفت النظر إليه حتى قبل طبع كتاب ابن رسته المستشرق الروسى روزن Rosen فنشر النص مع ترجمة روسية منذ عام 1879 105 وكتب عنه مقالا في عام 1887 106 . وفي القرن العشرين أخضع ماركفارت 107 الرواية جميعها لفحص دقيق ، كما أن علماء البيزنطيات وجهوا اهتمامهم في الأعوام الأخيرة إلى وصفه للقسطنطينية 108 . هذا وقد ظهرت أبحاث عديدة واختلافات في وجهات النظر حول الفترة التي يرجع إليها وصفه هذا ، فالبعض يميل إلى نسبته إلى عام 912 109 ، هو فرض بعيد الاحتمال 110 . ومما يلفت النظر أنه إذا كان وصفه للقسطنطينية لا يخلو من معلومات هامة طريفة تقوم على الملاحظة المباشرة فإن وصفه لرومة على عكس ذلك يقتصر على إيراد « العجائب » Mirabilia ويمثل رواية نقلية ترتفع إلى مصادر مسيحية شرقية ، على أغلب الظن سريانية ؛ وهذا الحكم يصدق على رواية بقية الجغرافيين العرب عن رومة 111 . وقد لعبت السفارات إلى جانب الأسرى دورا ملحوظا في توسيع نطاق المعلومات الجغرافية ؛ ولم تكن أخبار هذه السفارات حتى في القرن التاسع نفسه شيئا نادرا ولكن فيما يتعلق بالمغرب الإسلامي يجب أن نخص بالعناية شخصية حفظت لنا عنها معلومات جمة تلكم هي شخصية يحيى بن الحكم البكري ( 153 ه - 250 ه - 770 - 864 ) الملقب بالغزال لجماله والذي لعب دور الدبلوماسى مرتين . وهو شاعر فنان وعلى معرفة بعدد من اللغات ، وكان أمير قرطبة عبد الرحمن الثاني قد وجهه إلى بلاد الشمال ، إلى جتلاند Jutland على ما يبدو ، لمفاوضة النورمان . الذين أغاروا قبل ذلك بقليل في